عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
59
معارج التفكر ودقائق التدبر
* قول اللّه عز وجل : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) . * وَنَزَّلْنا هذه الجملة معطوفة على الجمل السابقة في هذا الدّرس ، التّنزيل كالإنزال ، هو الإهباط من علو إلى سفل ، وفعل : « نزّل » مثل فعل « أنزل » والتعدية بالتضعيف ، كالتعدية بالهمز ، وقد يدلّ الفعل المضعّف على تكثير الإنزال أمّا فعل : « أنزل » فيدلّ على الإنزال مطلقا دون إرادة التكثير ، وهما حالتان لإنزال المطر . * مِنَ السَّماءِ أي : من السّحب الّتي يطلق عليها لغة اسم السّماء ، كما سبق بيانه ، والمشاهدة تثبت أنّ المطر ينزل من السّحاب . فلفظ السّماء يحمل في كلّ موضع على ما يلائمه . * ماءً مُبارَكاً أي : ماء فيه زيادة نفع وخير ، فالبركة في اللّغة : النماء والزيادة والكثرة من الخير . إنّ الماء من أجلّ نعم اللّه على الأحياء في الوجود ، وقد جعله اللّه عزّ وجلّ في الأرض غزيرا وفيرا ، وما على الناس إلّا أن يحسنوا الانتفاع منه ، بإجرائه ، وتوجيهه ، واستنباطه ، وجمعه وتحليته واستغلاله وعدم الإسراف والتبذير به ، ولو كان من أجل الطهارة الشرعية . وقد وصف اللّه الماء الذي ينزل من السماء في هذا النصّ بأنّه مبارك ، ووصفه في موضع آخر بأنّه طهور ، أي : طاهر في نفسه مطهّر لغيره أخذا من صيغة « فعول » التي هي من صيغ المبالغة والتكثير . * فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ : الإنبات ظاهرة مشهودة ، لا تكون في الأرض إلّا بوسيط هو الماء ، الذي تنحلّ فيه العناصر الغذائيّة الموجودة في